| |
| | رقم المشاركة : 1 (permalink) | |||||
| ![]() الموضوع منقول مما لفت نظري أثناء معايشتي لسورة الحجرات أن هذه السورة عالجت موضوع اللسان معالجة شاملة، حيث إن كل موضوعاتها لها ارتباط مباشر ووثيق باللسان من أول قضية إلى آخر موضوع، وهو موضوع الأعراب. ذلك أن كل قضية وردت في هذه السورة فاللسان طرف أساس فيها، فعند معالجتنا لهذه القضايا لا بد من مراعاة هذا الجانب المهم، فإن الغفلة عنه قصور في النظر والمعالجة. ولنأخذ موضوعات هذه السورة ونبين صلة اللسان بكل قضية منها، ليتضح ما أشرت إليه آنفا: 1- موضوع التقدم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم صورة متعددة، ومن ذلك التقدم بالكلام، يبين ذلك ما يلي: قال ابن عباس: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة (1) والقول يكون باللسان غالبا (2). وفي رواية أخرى عن ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه (3). وهذا صريح في علاقة اللسان بذلك. وقال قتادة: ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون: لو أنـزل في كذا لو وضع كذا وكذا. وهذا من القول وهو باللسان (4). ومن خلال ما سبق يتضح أثر اللسان في التقدم المنهي عنه. 2- أما الموضوع الثاني فهو في رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم والجهر له بالقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) (الحجرات: من الآية2). وهذه الآية صريحة في الدلالة على أن اللسان هو أداة ذلك، وذلك لأن رفع الصوت والجهر به أداته اللسان فحسب، دون بقية الجوارح. 3- أما القضية الثالثة فهي: مناداة الرسول صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (الحجرات:4) والنداء، وبخاصة إذا كان من وراء حجاب فإن آلته هي اللسان. 4- والآية السادسة جاءت تعالج موضوع الأنباء والأخبار، و وجوب التبين والتثبت فيها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا )(الحجرات: من الآية6) والأخبار والأنباء من وسائل إيصالها ونقلها وتبليغها هو اللسان، وقصة الوليد بن عقبة بن أبي معيط الذي نـزلت الآية بسببه وما فعله مع بني المصطلق كان نبؤه باللسان، فلم يرسل رسالة ولا رسولا، بل جاء للرسول - صلى الله عليه وسلم - وذكر له ما ادعاه على بني المصطلق، وحدثه ذلك بلسانه فكان اللسان طرفا أساسا في ذلك. 5- أما القضية الخامسة التي جاءت في ثنايا السورة فهي قضية اقتتال طائفتين من المؤمنين ووجوب الصلح بَيْنَهُمَا والقتال الذي حدث ليس باللسان، وإنما كان ضربا بالنعال والعصي ونحوهما دون سلاح (5). ولكن عندما ندرس سبب هذا الاقتتال والخلاف، نجد أنه ابتدأ بالكلام باللسان ثم تطور حتى وصل إلى الاشتباك بالأيدي ونحوها. فلو لم يحدث الكلام من ابن أبي لم تصل الأمور إلى ما وصلت إليه. حيث قال عبدالله بن أبي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم والله لقد آذاني نتن حمارك، فرد عليه رجل من الأنصار: والله لنتن حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك (6) ثم جاءت كلمة من هنا وكلمة من هناك حتى وصلت الأمور إلى الاقتتال بالأيدي والجريد والنعال. 6- ثم جاءت الآيات بعد ذلك تعالج موضوع السخرية واللمز والتنابز بالألقاب وكذلك سوء الظن والتجسس والغيبة. ومما يسلك فيما مضى التفاخر بالأنساب ونحوها. وإذا تأملنا ذلك وجدنا أن اللسان قطب الرحى في كل هذا، وبخاصة الغيبة والتنابز والتفاخر، وكذلك السخرية واللمز، فاللسان له من ذلك أوفى نصيب، أما التجسس وسوء الظن فإن أصل ذلك ليس باللسان، ولكن يشترك اللسان في النتيجة، فغالبا ما يخبر عن نتيجة التجسس، أو الحديث عن سوء ظنه بأخيه، ولولا مساهمة اللسان لكان أثر التجسس وسوء الظن محدودا في الغالب الأعم. 7- أما الموضوع الأخير وهو إسلام الأعراب، فيكفي أن نتأمل الآيات، التي نـزلت في هذه القضية لنرى دور اللسان في هذا الأمر، (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا )(الحجرات: من الآية14) فانظر إلى لفظة: (قَالَتِ) (الحجرات: من الآية14)، و(قُلْ) (الحجرات: من الآية14)، و(قُولُوا) (الحجرات: من الآية14) وهل القول إلا باللسان، فكأن القضية قول في قول، ولذلك قال - سبحانه -: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ )(الحجرات: من الآية14). قال الطبري: وأولى الأقوال بالصواب: أن الله تقدم إلى هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في الملة إقرارا منهم بالقول، ولم يحققوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق آمنا. إلخ (7). وبعد: فمن خلال هذا الاستعراض لموضوعات السورة وبيان مكانة اللسان من ذلك، يجدر بنا أن نقف وقفة مناسبة للحديث عن هذا اللسان، وبيان منـزلته، وأثره في الخير والشر، وما يجب تجاهه. مكانة اللسان للسان مكانة عظيمة جدا، فهو نعمة عظمى وهبة من الله لعباده المؤمنين، وتتضح مكانة اللسان من خلال ما يلي: 1- أنه به ينطق بأعظم كلمة، وهي كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله". 2- يقول - سبحانه - ممتنا على عباده: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ) (البلد:8، 9). قال قتادة في تفسر الآية: نعم من الله متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره (8). وقال ابن كثير في تفسيره: (وَلِسَانًا)(9) أي: ينطق به فيعبر عما في ضميره (10). 3- ومما يدل على مكانة هذه الجارحة ما ذكره الله عن موسى - عليه السلام - عندما نادى ربه: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي) (طـه:27، 28) وقال في موضع آخر: ( وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي )(الشعراء: من الآية13) وعندما طلب من ربه أن يجعل معه وزيرا من أهله، وهو هارون - عليه السلام - قال في ثنايا طلبه: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي )(القصص: من الآية34). 4- أنه بها (11) نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، وندعو إلى الله - جل وعلا -، ونذكر الله علانية وجهرا. 5- بهذه الآلة الصغيرة نقضي جل حوائجنا، ونعبر عما في نفوسنا، ولذلك قال ابن كثير في تفسير قوله - تعالى -: (وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ) (البلد:9) أي: ينطق به فيعبر عما في ضميره. 6- ومن الأدلة المحسوسة على مكانة هذه الآلة وعظم نعمة الله علينا بها، عندما نتأمل في حال المحروم منها وهو "الأبكم" فإننا ندرك عظم هذه المنة الإلهية: هل يستطيع الأبكم أن يعبر عما في نفسه؟ إنه عندما يريد التعبير عن شيء فإنه يستخدم كثيرا من أعضائه: اليدين، والفم، والشفتين، والرأس، بل وحركة جسمه أحيانا، ومع ذلك لا يستطيع أن يعبر كما يريد، وقد يجلس فترة ليعبر فيها عن معنى يعبر عنه السليم بكلمة واحدة أو كلمتين. وقد يعبر عن مراده ولكن بشق الأنفس من الأبكم ومن يريد أن يعبر له. وكم من مرة ذهب الأبكم حزينا كئيبا لأنه لم يستطع أن يعبر عما في نفسه، ويزداد الأمر سوءا إن فهم منه غير ما يريد. ومما سبق يتضح لنا قيمة هذه النعمة، ومكانة هذه الجارحة (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا )(ابراهيم: من الآية34). خطورة هذه الجارحة هذه الآلة نعمة من الله لمن استخدمها في الخير وحافظ عليها، ولذلك جاء قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) (الأحزاب:70) وجاء في الحديث الصحيح: "إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم يلقاه" (12). الحديث. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفع الله بها درجات" (13). الحديث. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرجل يصدق حتى يكتب صديقا" (14) وفي رواية عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا" (15) الحديث. فإذا استخدم في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وقراءة القرآن، والذكر، والاستغفار، ونصرة المظلوم، والدعاء ونحو ذلك، كان من خير النعم على العبد. أما إذا استخدم بضد ذلك فإنه نقمة عظيمة على صاحبه، وقد جاءت الآيات والأحاديث تبين خطورة اللسان إذا لم يضبط بضابط الشرع، قال - سبحانه -: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور:15). وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف:2، 3). وقال عن المنافقين: ( فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ )(الأحزاب: من الآية19)، وقال: ( يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ )(الفتح: من الآية11)، وقال: ( وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ)(النحل: من الآية62). وقال - تعالى - مبينا خطورة ما نتكلم به: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ:18). وقال ناهيا عن رمي الناس بالباطل، (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:36). وقال - سبحانه -: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً )(لأعراف: من الآية37). وقال: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) (القلم:11)، وقال: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ )(النحل: من الآية116) وقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ )(الحج: من الآية3) وقال: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ) (الشعراء:224-226)، وقال: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) (الهمزة:1)، وقال: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ )(النساء: من الآية148)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ )(الحجرات: من الآية11) والآيات في هذا الباب كثيرة جدا. أما الأحاديث فيصعب حصرها، ولكن أذكر بعضا منها مما يبين خطورة هذا اللسان إذا لم يستخدم في طاعة الله. ومن أعظم الأحاديث التي وردت في ذلك الحديث الذي رواه الترمذي، عندما سأل معاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: وهل نحن مؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله، أجابه صلى الله عليه وسلم قائلا: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" (16). وقال - صلى الله عليه وسلم "إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه" (17). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق" (18). وفي روايه لمسلم: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب" (19). وقال صلى الله عليه وسلم "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" (20). وفي حديث ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا" (21). وفي حديث سمرة الطويل - الذي رواه البخاري -: في رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم وفي آخره: قال - صلى الله عليه وسلم "قلت طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت قالا: "نعم": أما الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يحدث بالكذبة، فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة" (22). وفي رواية للبخاري أنه قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم "وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق" (23). وقال - صلى الله عليه وسلم "ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له" (24). وأخيرا أختم بهذه الأحاديث: عن أبن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله - تعالى - قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله - تعالى - القلب القاسي" (25). وقال - صلى الله عليه وسلم "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة" (26). وقال - صلى الله عليه وسلم "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (27). وخير ختام وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعقبة بن عامر عندما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما النجاة، فقال له: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" (28). هذه بعض الأحاديث التي تبين خطورة هذا اللسان وما يجب تجاهه، وكما ذكرت سابقا، فإن الأحاديث التي وردت في ذلك تعدو على الحصر، ولكن اخترت منها بعض ما رأيته مناسبا للمقام، والله المستعان (29). أقوال السلف في اللسان للعلماء أقوال في اللسان، تدل على أهمية وخطورة هذه الجارحة، وسأذكر بعض أقوال هؤلاء العلماء من السلف ومن بعدهم، لتكون هذه الأقوال إضاءة تنير للمسلم الطريق في حفظ لسانه وكيف يتقي شره ويستثمر خيره (30). كان ابن مسعود رضي الله عنه يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان (31). وقال ابن بريده: رأيت ابن عباس - رضي الله عنهما - آخذ بلسانه وهو يقول: ويحك، قل خيرا تغنم، أو أسكت عن سوء تسلم، وإلا فاعلم أنك ستندم. فقيل له: يا ابن عباس لم تقول هذا ؟ قال: إنه بلغني أن الإنسان أراه قال: ليس على شيء من جسده أشد حنقا وغيظا يوم القيامة منه على لسانه إلا من قال خيرا، أو أملى به خيرا (32). وعن عمر رضي الله عنه أنه دخل على أبي بكر رضي الله عنه وهو يجبذ لسانه، فقال له عمر: مه غفر الله لك، فقال أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد (33). وقال عمر رضي الله عنه بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع (34) وقال ابن وهب: قال لي مالك: اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع، ولا يكون إماما أبدا وهو يحدث بكل ما سمع (35) . وقال عبد الرحمن بن مهدي: لا يكون الرجل إماما يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع (36). وقال يحيي بن معاذ: القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها، فانظر إلى الرجل حين يتكلم، فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه، حلو وحامض وعذب وأجاج، وغير ذلك، ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه (37). وقال ابن القيم: وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يغري في الأحياء والأموات ولا يبالي ما يقول (38). وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أحدا لسانه منه على بال إلا رأيت ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطق رجل قط إلا عرفت ذلك في سائر عمله (39). وقد كان السلف يحاسب أحدهم نفسه في قوله: يوم حار، ويوم بارد (40). وقال الإمام النووي - رحمه الله -: اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلاما تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام، أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء (41). هذه بعض أقوال السلف ومن تبعهم بإحسان حول مكانة اللسان وخطورته ووجوب المحافظة عليه، وهي تعبر عن تجربة عملية لهؤلاء الأعلام أتحفونا بثمرة علمهم وتجاربهم، فهل من معتبر أو متذكر؟ اللسان والشعر اهتم كثير من الشعراء باللسان، فجاءت كثير من الأبيات حكما ناطقة، حول ما يجب أن تحيط به ألسنتنا، خوفا من المزالق والنكبات وسأختار بعض الأبيات التي تدل على هذه الحقيقة وترشد إليها (42). قال الشاعر: يصاب الفتى من عثرة بلسانه وليس يصاب المرء من عثرة الرجل فعثرته بالقول تذهب رأسه وعثرته بالرجل تبرأ على مهل وقال الآخر: احفظ لسانك أيها الإنسان لا يلدغنك إنه ثعبان كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشجعان وقال ثالث: الصمت زين والسكوت سلامة فإذا نطقت فلا تكن مكثارا فإذا ندمت على سكوتك مرة فلتندمن على الكلام مرارا وقال رابع: إن القليل من الكلام بأهله حسن وإن كثيره ممقوت ما زل ذو صمت وما من مكثر إلا يزل وما يعاب صموت إن كان ينطق ناطق من فضة فالصمت در زانه الياقوت وقال آخر: احفظ لسانك واستعذ من شره إن اللسان هو العدو الكاشح وزن الكلام إذا نطقت بمجلس فإذا استوى فهناك حلمك راجح وقال سادس: عود لسانك قول الخير تنج به من زلة اللفظ أو من زلة القدم واحذر لسانك من خل تنادمه إن النديم لمشتق من الندم وقال آخر محذورا من الكذب (43) : إذا عرف الإنسان بالكذب لم يزل لدى الناس كذابا ولو كان صادقا فإن قال لم تصغ له جلساؤه ولم يسمعوا منه ولو كان ناطقا وقال آخر: لا يكذب المرء إلا من مهانته أو فعله السوء أو من قلة الأدب وقال ثالث موصيا بالصدق ومحذرا من الكذب: الصدق عز فلا تعدل عن الصدق واحذر من الكذب المذموم في الخلق وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم "إن من الشعر حكمة" (44). وبعد: فأختم الحديث عن اللسان ببيان أن اللسان فيه آفتان عظيمتان: 1- آفة الكلام بالباطل وقد انصب جل الحديث فيما مضى عن هذه الآفة. 2- آفة السكوت عن الحق، فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس، عاص لله، مراء، مداهن، إلا إذا خاف على نفسه القتل، ونحو ذلك من إكراه وغيره. والمتكلم بالباطل شيطان ناطق، عاص لله، وأكثر البشر منحرف في كلامه وسكوته بين هذين النوعين، وأهل الوسط كفوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه (45). ولذلك فإن على المسلم أن يعرف متى يكون السكوت ومتى يكون الكلام، ثم كيف يكون السكوت، ويكون الكلام، وبهذا نفهم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (46). -------------------------------------------------------------------------------- 1 - انظر: تفسير الطبري 26/116. 2 - لأنه قد يكون كتابة ونحوها. 3 - انظر: تفسير الطبري 26/116. 4 - انظر: تفسير الطبري 26/117. 5 - انظر: تفسير الطبري 16/128. 6 - انظر: تفسير الطبري 16/128 وقد تقدم تخريج هذه الحادثة. 7 - انظر: تفسير الطبري 26/142. 8 - انظر تفسير الطبري 30/199. 9 - انظر تفسير الطبري 30/199. 10 - انظر تفسير ابن كثير 4/512. 11 - أي بهذه الجارحة، وهي اللسان. 12 - أخرجه الترمذي (4/484) كتاب الزهد، رقم (2319) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (2/1313) كتاب الفتن، رقم (3969). 13 - أخرجه البخاري (7/185)كتاب الرقاق. وأخرجه مالك في الموطأ موقوفا على أبي هريرة (2/985) كتاب الكلام، رقم (6). 14 - أخرجه مسلم (4/2012) كتاب البر والصلة رقم (2606). 15 - أخرجه البخاري (7/95) كتاب الأدب، ومسلم (4/2012)، كتاب البر والصلة، رقم (2607). 16 - أخرجه الترمذي (5/13) كتاب الإيمان، رقم (2616)، وابن ماجه (2/1315) كتاب الفتن، رقم (3973). وأحمد (5/231،237). وصححه الألباني كما في صحيح الجامع رقم (1536). 17 - أخرجه الترمذي (4/484) كتاب الزهد، رقم (2319)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وابن ماجه (2/1313) كتاب الفتن، رقم (3969). 18 - أخرجه البخاري واللفظ له (7/184) كتاب الرقاق، ومسلم بلفظ: " يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب" (4/2290) كتاب الزهد، رقم (2988). 19 - صحيح مسلم (4/2290) كتاب الزهد، رقم (2988). 20 - أخرجه أبو داود (4/269) كتاب الأدب،رقم (4878). وأحمد (3/224) وصححه الألباني كما في صحيح الجامع رقم (5213). 21 - أخرجه البخاري (7/95) كتاب الأدب. ومسلم (4/2012). كتاب البر والصلة، رقم (2607). أبو داود (4/297) كتاب الأدب، رقم (4989). 22 - أخرجه البخاري (7/95) كتاب الأدب. 23 - أخرجه البخاري (8/86)كتاب التعبير. وأحمد (5/8،9). 24 - أخرجه أبو داود (4/297،298) كتاب الأدب،رقم (4990)، والترمذي (4/483) كتاب الزهد، رقم (2315)وقال: حديث حسن، وأحمد (5/5)، وحسنه الألباني كما في صحيح الجامع قم (7136). 25 - أخرجه الترمذي (4/525) كتاب الزهد رقم (2411)قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب. قلت: وقد اختلف العلماء في تصحيح هذا الحديث لاختلافهم في إبراهيم هذا. فاعتمد الشيخ أحمد شاكر توثيق ابن حبان له، ومن ثم صحح هذا الحديث كما في عمدة التفسير (1/168) أما الألباني فقد ضعف هذا الحديث معتمدا على قول ابن القطان فيه " لا يعرف حاله ". انظر: ضعيف الجامع رقم (6265)، السلسلة الضعيفة رقم (920). 26 - أخرجه البخاري (7/184) كتاب الرقاق، وأخرجه الترمذي (4/524) كتاب الزهد، رقم (2408، 2409). وأحمد (5/362) +بألفاظ متقاربة. 27 - أخرجه البخاري (1/8) كتاب الإيمان، ومسلم (1/65)، كتاب الإيمان، رقم (41)، والترمذي (5/18) كتاب الإيمان، رقم (2627)، وأبو داود (3/4) كتاب الجهاد، رقم (2481). 28 - أخرجه الترمذي (4/523) كتاب الزهد، رقم (2406) وقال: حديث حسن، وصححه الألباني كما في صحيح الجامع رقم (1392). 29 - من أراد التوسع فليرجع إلى كتب آفات اللسان ومنها كتاب آفات اللسان لسعيد بن علي بن وهف القحطاني، فإنه قيم في بابه جزى الله مؤلفه خيرا. 30 - انظر: آفات اللسان لسعيد القحطاني ص 161 وما بعدها، فقد أفدت منه. 31 - جامع العلوم والحكم ص 242. 32 - جامع العلوم والحكم ص 241. 33 - انظر: موطأ الإمام مالك 2/988. 34 - انظر: مقدمة مسلم 1/11. 35 - مقدمة صحيح مسلم 1/11. 36 - مقدمة صحيح مسلم 1/11. 37 - انظر: حلية الأولياء 10/63. 38 - انظر: الجواب الكافي ص 277. 39 - انظر: جامع العلوم والحكم ص 242. 40 - انظر: آفات اللسان لسعيد القحطاني ص 160. 41 - انظر: الأذكار للنووي ص 284، وآفات اللسان ص 157. 42 - انظر هذه الأبيات في جواهر الأدب للهاشمي 2/484. 43 - انظر لهذا البيت وما بعده جواهر الأدب 2/479. 44 - أخرجه البخاري (7/107) كتاب الأدب، وأبو داود (4/303) كتاب الأدب، رقم (5010)، والترمذي (5/126) كتاب الأدب، رقم (2844). 45 - انظر الجواب الكافي لابن القيم ص 281، وآفات اللسان للقحطاني ص 5. 46 - أخرجه الترمذي (4/483) كتاب الزهد، رقم (2317)، وقال: حديث غريب، وابن ماجة (2/1315، 1316)، كتاب الفتن، رقم (3976) عن أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه أحمد (1/201)، ومالك في الموطأ (2/903) كتاب حسن الخلق، رقم (3) كلاهما عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب مرسلا، وصححه الألباني كما في تخريج أحاديث المشكاة رقم (4839، 4840).
| |||||
|
| |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طرق مشاهدة الموضوع | |
|
|
| روابط مفيدة : استرجاع كلمة المرور | طلب كود تفعيل العضوية | تفعيل العضوية |