اعذروه.. علي قده
ليس في البلد مكان، إلا ويعاني من أزمة تختلف في حجمها، من موضع إلي آخر، ولكنها موجودة في شتي المواقع.. ولايزال المواطن قادرًا علي أن يتقبل طوفانًا من المشاكل والأزمات، وأهم من أن يتقبلها، أن يتعامل معها، ويتعايش.. إلا أزمة الغذاء.
وحين تكون في مصر أزمة غذاء، أيا كان موضوعها، فلابد أن هناك خطًأ ما.. وهذا الخطأ معناه ببساطة، أن الوادي قد خذل الناس، وأنه لم يعد في إمكانه، أن يفي بحاجة الملايين من الطعام في كل صباح!
وهنا، سوف نجد أنفسنا أمام مدرستين، واحدة يقول أصحابها، إن السبب عجز الدولة، وليس عجز الموارد، ولا شح الوادي.. وواحدة أخري تقول، إن التزايد المتصاعد في عدد السكان هو السبب،
وإنك لو جئت بحكومة من الملائكة لإدارة الموارد المتاحة، فلن تستطيع أن تسد حاجة المصريين، ماداموا علي هذا المعدل من الزيادة الذي يصل إلي مليون و٩٠٠ ألف مولود في كل عام، بما يعني أننا نزيد بما يوازي شعب دولة خليجية كل ١٢ شهرًا.
وربما يلاحظ القارئ، أن الخلاف بين المدرستين علي المشكلة وليس علي الحل.. وهذا - في حد ذاته - مأساة أخري، لأن الانشغال، في مثل هذه الظروف، لا يجوز أبدًا أن يتوقف عند حدود توصيف المشكلة، وتحديد أسبابها، ثم يكتفي بهذا، لسبب بسيط، هو أن أصل المشكلة معروف، وأسبابها ليست في حاجة إلي اجتهاد جديد.
إذن.. ما الحل؟!
الحل، دون فلسفة ولا سفسطة، أن تمتد حدود وادي النيل، إلي أبعد مما هي عليه الآن، وأن نعيش، مستقبلاً، علي مساحة أكبر من المساحة التي نعيش عليها في الوقت الحالي، وهي ٤% من امتداد الوطن وحدوده!
وليس أمامنا حل آخر، إلا أن نتمدد في الصحراء، وحين نتكلم عن الصحراء، وعن غزوها، وعن اقتحامها، فليس من اللائق، أن نتجاهل رجلاً اسمه يوسف والي.
فالرجل الآن خارج أي سلطة، وليس في يده ما يستطيع به أن ينفع، أو يضر، ولذلك فالعلاج عنده، لن يكون وراءه هدف، إلا وجه الله، ثم وجه الحقيقة، التي لا يجرؤ أحد علي أن يزعم أنه يمتكلها وحده.. لا يمكن!
يوسف والي الذي لا أعرفه، ولم أره من قبل، كان هو الذي بدأ، أو من أوائل الذين بدأوا الاتجاه نحو الصحراء، وكان من أوائل الذين أفسحوا الطريق، لزراعات وسلالات جديدة في هذه الصحراء،
وكان يشترط وسائل ري حديثة، ليس من بينها الري بالغمر طبعًا، وكان من أوائل الذين أسسوا - بالتالي - لوصول حجم الصادرات الزراعية حاليا، إلي ١.٧ مليار دولار، في الوقت الذي تصل فيه صادراتنا من القطن إلي ٣٠٠ مليون دولار!
وإذا كان دخل قناة السويس، يبلغ ٤ مليارات دولار، تقريبًا، كل سنة، فمعني هذا، أن يوسف والي، بمفرده، قد أهدانا نصف «قناة السويس» دون أن يستخدم نظام السخرة بطبيعة الحال.
معلهش.. علي قده!