ايها المحزون
ان كنت تعلم انك اخذت على الدهر عهدا ان يكون لك كما تريد فى جميع شؤونك و اطوارك ... و الا يعطيك و لا يمنعك الا كما تحب وتشتهى فجدير بك ان تطلق لنفسك فى سبيل الحزن عنانها كلما فاتك مأرب أو استعصى عليك مطلب .. و ان كنت تعلم أخلاق الايام فى أخذها و ردها و عطائها و منعها و انها لا تنام عن منحه تمنحها حتى تكر عليها راجعه فتستردها ... و أن هه سنتها و تلك خلتها فى جميع أبناء أدم .. سواء فى ذلك ساكن القصر و ساكن الكوخ .... و من يطأ بنعله هام الجوزاء ... و من ينام بساط الغبراء فخفض من حزنك و كفكف من دمعك ...
فما انت بأول غرض أصابه سهم الزمان و ما مسابك بأول بدعه طريفه فى جريده المشائب و الاحزان
انت حزين لان نجما زاهرا من الامل كان يتراءى لك فى سماء حياتك فيملأ عييك نورا.... و قلبك سرورا و ماهى الا كرة الطرف ان افتقدته .... فما وجدته . و لو انك اجملت فى املك لما غلوت فى حزنك و لوانت انعمت نظرك فيما يتراءى لك لرأي برقا خاطفا ... ما تظنه نجما زاهرا و هنالك لا يبهرك طلوعه فلا يفجعك أفوله .
أسعد الناس فى هذه الحياه من اذا وافته النعمه تنكر لها .. و نظر اليها نظره المستريب بها ... و ترقب فى كل ساعه زوالها و فنائها ... فان بقيت فى يداك فذاك و الا فقد أعد لفراقها عدته من قبل .
لولا السرور فى ساعه الميلاد ما كان البكاء فى ساعه الموت و لولا الوثوق بدوام الغنى ما كان الجزع من الفقر و لولا فرحه التلاق ما كانت ترحه الفرق
مصطفى المنفلوطى