أنت غير مسجل في منتدى بناء الأمه. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا
إعلانــات

:: أعلن هنا ::

:: أعلن هنا ::

:: أعلن هنا ::

:: أعلن هنا ::



العودة   منتدى بناء الأمه > واحه العلوم والتعلم > سياسة وتاريخ
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة


الامبراطورية الامريكية

سياسة وتاريخ


رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 07-28-2008, 08:44 PM   رقم المشاركة : 1 (permalink)
معلومات العضو

:: مشرفه القصص والروايات ::

 
الصورة الرمزية vinose
 

 

إحصائية العضو









vinose غير متواجد حالياً

 
آخـر مواضيعي

المستوى: 30 [♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥]
الحياة 296 / 741

النشاط 415 / 1828
المؤشر 65%

 

 

Icon2 الامبراطورية الامريكية


AddThis Social Bookmark Button


عاد مصطلح الإمبراطورية إلى الأدبيات السياسية بعد انتهاء الحرب الباردة بشكل كبير، وقامت العديد من الدراسات بمحاولات للتنبؤ بما سيكون عليه النظام الدولي بعد انهيار "الإمبراطورية" السوفيتية، وبقاء قطب واحد فاعل على ساحة العلاقات الدولية. فمنها ما ذهب إلى لزوم قيام الولايات المتحدة بدور "الإمبراطورية الطيبة" أو
Benevolent Empire
بعد تقلدها لمنصب القطب الأوحد على الساحة الدولية، ومنها ما ذهب إلى كون الولايات المتحدة جزءًا لا يتجزأ من نظام عالمي يقوم على الاعتماد المتبادل، لا سيما في المجال الاقتصادي، وأن عناصر القوة العسكرية والاقتصادية التي تتمتع بها الولايات المتحدة "على الرغم من كونها عظيمة، فإنها ليست دائمة بكل تأكيد". وبذا، فإنه يتعين على الولايات المتحدة أن تحاول استخدام نفوذها الإمبراطوري -على حد تعبير ريتشارد هاس- لبلورة نظام دولي يتسم بقدر أكبر من التعددية Mu-ltilateralism، والتي على الرغم من كونها ستحد من النفوذ الأمريكي، إلا أنها ستؤدي إلى تحقيق مصالح الولايات المتحدة بشكل أكبر على المدى البعيد.

إلا أن أغلب هذه الرؤى، سواء منها المؤيد أو المعارض لقيام الولايات المتحدة بدور الإمبراطور الجديد على الساحة الدولية، كانت تصب في مجملها في إطار رؤية المدرسة الواقعية لنظام دولي قائم على استخدام الدول للقوة، بأشكالها المختلفة، بغرض تحقيق مصالحها القومية.
ولكن ثمة اتجاه آخر متصاعد، يوصف بكونه نيو-ماركسي، قام بتقديم رؤية بديلة للنظام الدولي، تصفه بكونه إمبراطورية، ليس بالمعنى الإمبريالي التقليدي، والمتمثل في ممارسات القوى الأوربية إبان العصور الاستعمارية، ولكن بمعنى جديد يعرف "الإمبراطورية" بكونها "جمهورية عالمية تتكون من شبكة من القوى، والقوى الموازية، في سياق عام يتسم بكونه احتوائيا Inclusive ولا محدودا Boundless في آن واحد"، وهو المفهوم الذي قام أنتونيو نجري ومايكل هارت بصكه في كتابهما الشهير “Empire” الصادر عام 2000.
وقد أدت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما أعقبها من تطورات في المنحى الذي اتخذته السياسة الخارجية الأمريكية والمتمثل بشكل واضح في "وثيقة الأمن القومي الأمريكية" لعام 2002، أدت هذه التطورات إلى إعادة تفجير الجدل الدائر حول دور الولايات المتحدة الأمريكية على الساحة الدولية، وما إذا كان هذا الدور يمثل بزوغاً لإمبراطورية جديدة، على غرار الإمبراطورية الرومانية أو البريطانية. كما ثارت تساؤلات عما إذا كان هذا الدور يمثل استمرارًا أم تغيرًا في السلوك الخارجي الأمريكي، وما إذا كان مرغوبًا فيه ويخدم على المدى البعيد مصالح الولايات المتحدة نفسها على الصعيدين، الداخلي والدولي - بالأساس.
ويمكن النظر إلى السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة التي تقوم على تعزيز مكانة الولايات المتحدة العالمية بما يحفظ لها الريادة في قيادة العالم والحفاظ على بقاء أمريكا القطب المهيمن على السياسة والاقتصاد العالميين، والإبقاء على حالة التفوق العسكري بتطوير أنظمة دفاعية وعسكرية تضمن لها السيطرة وتعمل على تحييد القدرات العسكرية للدول الكبرى الأخرى في العالم، يمكن النظر إلى هذه السياسة باعتبارها تمثل استمرارًا لا انقطاعًا لسياسة الولايات المتحدة تاريخيًا ومنذ نشأتها، ليس فقط منذ انهيار القطب المناوئ لها في عام 1990، ولا حتى منذ بزوغها كقوة عظمى في أعقاب الحرب العالمية الثانية. بل منذ القرن التاسع عشر عندما قامت الولايات المتحدة بغزو واحتلال كل من كوبا وبورتوريكو والفلبين وهاواي وجوام إبان الحرب الأمريكية - الإسبانية التي استمرت بين عامي 1898 و1903.
بل إن بعض الدراسات تشير إلى أنه لا يمكننا فهم وتحليل السياسة الخارجية الحالية بمعزل عن تاريخ الولايات المتحدة الذي كان ينحو إلى تبني السياسات التوسعية (وليس انعزالية كما يشيع) لتحقيق "إمبراطورية الحرية" Empire of Liberty التي كان ينادي بها الرئيس جيفرسون.
ويشير بول كينيدي إلى كون أمريكا "كانت قد أصبحت عملاقًا اقتصاديًّا" في عام 1861، وكانت بسكانها الذين يمثلون 40% فقط من سكان روسيا عام 1860 تضم عددًا من سكان الحضر يزيد على ضعف نظيره الروسي"، كما أنه من المعلوم أنه في أواخر القرن التاسع عشر ساهم المخترعون والرأسماليون الأمريكيون في حركة الابتكار التكنولوجي التي اجتاحت العالم حينها بشكل أساسي، ابتداء من تصميم وتصنيع محركات القطارات، وحتى تصنيع أدوات الاتصال المختلفة كالتليفون، والراديو تليجراف، وانعكس ذلك على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية بطبيعة الحال، فبعد أن "كانت الولايات المتحدة تملك 4 سفن حربية فقط عام 1898، أصبحت تملك 20 سفينة حربية مع حلول عام 1909". بعبارة أخرى، كانت الولايات المتحدة تمتلك المقومات التي تؤهلها لتقلد منصب "قوة كبرى" منذ منتصف القرن التاسع عشر.
إلا أن بزوغ الولايات المتحدة كقوة عظمى لم يستند على أسس مادية فحسب، سواء الاقتصادية منها أم العسكرية، ولكنه استند أيضًا على قاعدة أيدلوجية صاغها العديد من أعضاء النخبة الأمريكية الذين كانوا ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها قوة عالمية يتعين عليها أن تنشر قيم الحرية والسلام والتقدم في العالم أجمع، وأن الحالة الأمريكية تعد حالة "استثنائية" فيما عرف بالاستثنائية الأمريكية American Exceptionalism، وأن المصير الحتمي أو الـ Manifest Destiny للشعب الأمريكي هو أن "يتوسع في أنحاء الأرض لنشر تجربة الحرية والديموقراطية الفيدرالية التي منحها الرب له"، وهو المفهوم الذي صاغه الصحفي الأمريكي الشهير جون أوسوليفان عام 1845، والذي أقام حركة سياسية فيما بعد أعطاها ذات الاسم. كما اقترنت تلك المبادئ بالنظريات العلمية أو شبه العلمية التي برزت آنذاك وصاغها شارلز داروين عن "الانتخاب الطبيعي"، لا سيما بعد أن ظهرت النظرية الداروينية الاجتماعية Social Darwinism"" في أواخر القرن التاسع عشر والتي تبناها العديد من المفكرين الأمريكيين، كالقس جوزيا سترونج، لتبرير ما أسماه بـ "السمو الأخلاقي" أو الـ Moral Superiority للشعب الأمريكي.
ويشير المؤرخ زيمرمان إلى أن هذه المنظومة الفكرية التي أخذت في التبلور في أواخر القرن التاسع عشر كان لها عظيم الأثر على السياسات التوسعية التي تبناها الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت في مطلع القرن العشرين والتي شهدت توهج الحرب الأمريكية الإسبانية التي أسماها روزفلت بـ "أول انتصار كبير في ما سيصبح حركة عالمية".
وبذا، فإن هذا المنظور يتناول التاريخ الأمريكي منذ نشأة الولايات المتحدة وحتى الآن على أنه سلسلة من الحركات التوسعية التي استهدفت تحقيق المصلحة القومية الأمريكية العليا والمتمثلة في ثلاثية الثروة والقيم/ الدين والقوة كما يسميها الباحث المصري سمير مرقس. وتتكون هذه السلسلة من أربع حلقات متعاقبة:
  1. الأولى تتمثل في "التوسع القاري" أي التوسع داخل القارة الأمريكية من شرق القارة المطل على المحيط الأطلنطي إلى غربها المطل على المحيط الهادي، ومن جنوبها المطل على البحر الكاريبي، إلى شمالها المقارب لمحيط القطب الشمالي. والذي مثّل تراكم رأس المال التجاري المحرك المادي له، ومثلت مبادئ "القدرية" Fatalism، و"المصير المحتوم"Manifest Destiny أساسه الأيدلوجي.
  2. أما التوسع الثاني فهو ذاك الذي تمثل في الحرب الأمريكية - الإسبانية والتي كانت بمثابة التوسع الإقليمي للولايات المتحدة باتجاه الجنوب، المتمثل في كل من كوبا وبورتوريكو وجوام والفلبين، وهي المستعمرات التي أُجبرت أسبانيا على التراجع منها إبان حربها مع الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، امتد النفوذ الأمريكي ليشمل بلاد أمريكا الوسطى واللاتينية، أو ما يسمى بمنطقة "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة. وكانت عملية التوسع في خلال هذه الفترة مدفوعة بالتراكم الرأسمالي الكبير في أمريكا والذي ساهمت عملية التوسع القاري في تحقيقه بشكل كبير.
  3. أما المرحلة التوسعية الثالثة، فهي تلك الممتدة في الفترة ما بين 1946 و1991، والتي تمثلت في حالة التنافس بين قطبي النظام الدولي المتمثلين في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، والذي أنتج توسعًا أمريكيًّا تمثل في محاولة السيطرة على أوروبا من خلال تقديم الدعم الاقتصادي لها -بموجب خطة مارشال-، ثم من خلال إنشاء حلف الناتو وما استتبعه ذلك من تواجد عسكري أمريكي في القارة الأوربية، واتباع الأخيرة لسياسة الردع والاحتواء في إطار تلك العلاقات التنافسية التي سادت بين الطرفين. كما اتسم توسع الولايات المتحدة نحو الجنوب بإنشائها لأحلاف عسكرية مع كل من أستراليا ونيوزيلاندا، واليابان، والجمهورية الكورية والفلبين، ودخولها في صراع مع الاتحاد السوفيتي في مناطق النفوذ المتنازع عليها بين الطرفين في أفريقيا والشرق الأوسط.
  4. أما المرحلة التوسعية الرابعة فهي تلك التي نشبت بعد انقضاء الحرب الباردة، وهي المرحلة التي وصل فيها الاقتصاد الأمريكي إلى ذروة ازدهاره، واستخدمت الولايات المتحدة تفوقها الاقتصادي والعسكري والثقافي لتكريس موقعها كقوة عظمى على الساحة الدولية. فعلى الصعيد العسكري تمتلك الولايات المتحدة خمس قواعد عسكرية مركزية موزعة على أنحاء العالم ينتشر بها ما يربو على مليون جندي أمريكي. أما على الصعيد الاقتصادي فإلى جانب كون الدخل القومي الأمريكي هو الأعلى على المستوى الدولي، فإن بعض التحليلات تذهب إلى أن التفاعلات الاقتصادية الدولية، والمحكومة بمنطق العولمة القائم على الاعتماد المتبادل وحرية انتقال رءوس الأموال والاستثمارات، هي تفاعلات قائمة على مصالح قطاع الأعمال الأمريكي بشكل رئيسي.
وهكذا فإن الأصوات الأمريكية التي نادت بتأسيس "إمبراطورية أمريكية" وبحلول "قرن أمريكي جديد" تمثل امتدادًا طبيعيًا للسلوك الخارجي للولايات المتحدة الأمريكية منذ نشأتها، وليس تحولا فيه البتة، إلا أن نتائج هذه المرحلة لن يتم حسمها إلا بعد أن تحسم نتيجة الحرب الأمريكية ضد "الإرهاب".
وتنطوي هذه الحلقة الجديدة من مسلسل التوسع الأمريكي على رؤية جديدة تمثل "طموح أمريكا الإمبراطوري" كما يسميه جون إيكنبيري في مقالته المهمة المنشورة في مجلة شئون خارجية. وتنطوي هذه الرؤية التي يسميها إيكنبيري Ikenberry بـ "الإستراتيجية العظمى الجديدة" أو New Grand Strategy على سبعة عناصر أساسية:
  1. أولها يتعلق بأهمية الحفاظ على عالم أحادي القطبية لا يكون للولايات المتحدة فيه أي منافس حقيقي، ولا يسمح فيه بقيام أي تحالف دولي -لا يتضمن الولايات المتحدة- يحقق أي درجة من درجات الهيمنة الدولية. وبذا، فإن الولايات المتحدة لن تسعى إلى الحفاظ على أمنها من خلال إستراتيجية "توازن القوى" ذات الطابع الواقعي، ولا من خلال الاعتماد على المؤسسات الدولية، أو علاقات التكامل الاقتصادي كما تقضي المدرسة الليبرالية، حيث ستسعى الولايات المتحدة إلى تقلد منصب المهيمن المطلق بلا منازع على الساحة الدولية.
  2. أما ثاني هذه العناصر فيتمثل في إعادة تعريف لماهية الكيان الذي يمثل تهديدًا حقيقيًا للأمن القومي الأمريكي وكيفية التصدي له. وهو التهديد الذي يتمثل في الجماعات الإرهابية الصغيرة المؤيدة من قبل دول مارقة. والتي قد يتسنى لها الحصول على أسلحة دمار شامل واستخدامها ضد الولايات المتحدة.
  3. ثالث هذه العناصر يتعلق بكون المبادئ الحاكمة للإستراتيجية الأمريكية إبان الحرب الباردة، لا سيما ما يتعلق منها بالردع والاحتواء، كونها غير ذات صلة؛ لأن مصدر التهديدات الحالي لا يتمثل في دول بعينها، ولكن في جماعات إرهابية غير محددة. وبذا، فإن التعديل الوحيد لهذه الإستراتيجية هو مبدأ الهجوم، واستخدام الضربات الاستباقية لدرء أي خطر محتمل عن الأراضي الأمريكية.
  4. رابع هذه العناصر يتعلق بإعادة صياغة مفهوم السيادة بحيث يتسنى للولايات المتحدة أن تتدخل في أي مكان في العالم وفي الوقت الذي تحدده للقيام بضربات لدرء أي خطر محتمل يتهددها. هذا إلى جانب إمكانية حرمان الدول التي لا تستطيع تحجيم العناصر "الإرهابية" الكامنة بداخلها من سيادتها على أراضيها.
  5. خامس هذه العناصر يتعلق بتراجع القواعد الحاكمة للنظام الدولي والمتمثلة في قواعد القانون الدولي، والاتفاقيات والمنظمات الدولية، وما إلى ذلك. ويبرر إيكنبري ذلك بسببين رئيسيين: الأول يتعلق بطبيعة التهديد الجديد ولزوم التصدي له بكل الطرق المتاحة، بغض النظر عما إذا كانت تلك مقبولة دوليًّا أم لا. أما السبب الثاني، والأكثر عمقًا، فهو نزوع الإدارة الأمريكية الحالية إلى إدارة العالم وفقًا للقواعد التي تقوم هي بوضعها، وليس تلك التي يفرضها عليها النظام الدولي. (ويبرهن على ذلك بانسحاب الولايات المتحدة من عدد كبير من الاتفاقيات الدولية إبان إدارة بوش الابن كاتفاقية كيوتو، والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية).
  6. سادسًا، تتطلب طبيعة التهديدات الجديدة أن تقوم الولايات المتحدة بلعب دور مباشر ولا يخضع لأي قيد في التصدي لها، وترجع هذه القناعة إلى كون الولايات المتحدة هي القوة الدولية الوحيدة القادرة على القيام بمثل هذا الدور بفضل تفوقها العسكري الهائل على أقرانها من الدول المتقدمة، وأيضًا إلى كون القيام بعمل عسكري من خلال تحالف دولي عادة ما يتسم بقدر أقل من الكفاءة بالمقارنة بالعمليات ذات الطابع الأحادي.
  7. أخيرًا، فإن "الإستراتيجية العظمى الجديدة" لا تلقي بالاً إلى ضرورة المحافظة على "الاستقرار الدولي" والعناصر المكونة له؛ فالإدارة الحالية لا تعتبر الاستقرار الدولي هدفًا في حد ذاته، فالهدف الأساسي هو مواجهة التهديد الجديد الذي تتعرض له الولايات المتحدة، وإذا أدت هذه المواجهة إلى زعزعة هذا الاستقرار فإنه يتعين على النظام الدولي أن يتحمل قدرًا من عدم الاستقرار في مقابل الحصول على قدر أكبر من الأمن على المدى الطويل.
وتمثل هذه العناصر السبعة الرؤية الإستراتيجية لرموز الإدارة الأمريكية الحالية، والتي تم صكها من خلال "وثيقة الأمن القومي الأمريكي لعام 2002"، والتي يتم الترويج لها من جانب رموز التيار المحافظ الجديد كروبرت كاجان Kagan، ولورنس كابلان Kaplan، ووليام كريستول Kristol.



عادة ما يُنظر إلى مفهوم الإمبراطورية باعتباره مفهومًا ماركسيًّا بالأساس، يرتبط ارتباطًا عضويًا بمفهوم الإمبريالية في تصوره الماركسي - اللينيني. إلا أن المتأمل لنظريات العلاقات الدولية يستطيع أن يرصد ورود مفاهيم مرادفة لمفهوم الإمبراطورية -بتعريفه اللغوي السالف الذكر على الأقل- في العديد من نظريات وكتابات العلاقات الدولية. ويتبدى ذلك أكثر ما يكون في استبدال ألفاظ أخرى كـ "القطب المهيمن" في المنظور الواقعي، أو "القوة الإمبريالية" لدى المدرسة الماركسية، أو "الحضارة" أو "القوى العظمى" في الكتابات التاريخية بلفظ "إمبراطورية".
فإذا ما نظرنا إلى تعريف مفهوم الهيمنة كما صاغه جوزيف ناي Joseph Nye وروبرت كوهين Keohane Robert، وهما من أقطاب المدرسة الواقعية في دراسات السياسة الأمريكية اليوم، نرى أنه يوصف بكونه: "وجود قوة دولية مسيطرة، تكون لها الغلبة في المصادر المادية، وتتوافر لديها القوة والإدارة اللازمة لصياغة قواعد للتفاعل فيما بين الدول في النظام الدولي"، كما أن هناك بعض التعريفات التي تضفي الطابع الأخلاقي على الهيمنة كتعريف جرامشي Gramsci لها بكونها "القيادة الأخلاقية والسياسية في المجتمع"، ويلاحظ وجود الطابع الرضائي في تعريف الهيمنة لدى روبرت كوكس Kox أيضًا والذي يعرف النظام القائم على الهيمنة بصفته نظامًا "يقوم على أساس رضائي في المقام الأول".
ومن هذا المنطلق، فإن المثالين الكلاسيكيين على الهيمنة كما يراها الواقعيون هما الإمبراطورية البريطانية Pax Britannica إبان القرن التاسع عشر، والإمبراطورية الأمريكية Pax Americana أو نمط الهيمنة الأمريكي الذي ساد منذ منتصف القرن العشرين. وبذا، تكون المدرسة الواقعية قد تعاملت مع "الإمبراطورية" -كما في حالة الإمبراطورية الرومانية والبريطانية على سبيل المثال- و"القطب المهيمن" في النظام الدولي على أنهما مفهومان مترادفان إلى حد كبير بما لا يدين الهيمنة بل يصفها فقط.
أما في إطار المدرسة الماركسية فقد ارتبط مفهوم الإمبراطورية بالإمبريالية بما تمارسه أقطاب النظام الرأسمالي من تعبئة الفائض الاقتصادي العالمي وإعادة تصديره إلى اقتصادياتها الرأسمالية. وتقوم المدرسة الماركسية على تفسير التفاعلات والتحولات المختلفة على الساحة الدولية على أساس من العلاقات الاقتصادية القائمة بين أطراف المجتمع الدولي، ومن منطلق العلاقة بين أدوات الإنتاج وما ترتبه من علاقات اقتصادية تتسم بتبعية بعض الفاعلين إلى قوى أخرى؛ حيث تسمى الأولى بدول الأطراف Periphery، والأخيرة بدول المركز Core States.
وتعد "نظرية الأنساق" لإماينول والرشتاين Wallerstein من أبرز النظريات الماركسية الجديدة في هذا السياق، وتنظر نظرية الأنساق العالمية لوالرشتاين للتاريخ على أنه قد شهد نسقين عالميين رئيسيين؛ النسق الأول يتسم بكونه "نسقًا إمبراطوريًا World Empire" تقوم فيه السلطة السياسية المركزية بإعادة توزيع الموارد من دول "الأطراف" إلى دول "المركز"، كما كان الحال في الإمبراطورية الرومانية؛ حيث كانت عملية إعادة توزيع هذه تتم من خلال قيام دول الأطراف بدفع ضرائب أو عوائد مالية Tributes إلى "قلب" الإمبراطورية في روما.
أما النسق الثاني فهو ذاك المتمثل في "النسق الاقتصادي" World Economy والذي لا ينطوي على مركز سياسي معين، وبذا فإن عملية تخصيص وإعادة توزيع الموارد به لا تتم بموجب قرارات مركزية، ولكن من خلال آليات السوق. ولكن، وعلى الرغم من اختلاف آلية تخصيص الموارد في كل من النسقين المختلفين، فإن المحصلة النهائية لكليهما تتسم بالتشابه، أو التطابق، إذا أردنا توخي الدقة، حيث تتمثل هذه المحصلة في انتقال العوائد -أو الفوائض الاقتصادية- من دول الأطراف إلى دول المركز لصالح الأخيرة، والتي تقوم بدور القائد المهيمن على مستوى العلاقات بين الدول، كما تحوز قوة عسكرية هائلة على المستوى الدولي تمكنها من "تأديب" كل من تسول له نفسه "الخروج على قواعد اللعبة".
وإلى جانب هذا التحليل النيوماركسي للنظام العالمي الذي يقدمه والرشتاين، هناك ثمة منظور آخر يسمى بنظرية "ما بعد الإمبريالية" Postimperialism والتي تنظر إلى النظام الدولي الحالي باعتباره ممثلاً لنمط معين من العلاقات بين الطبقات الدولية المختلفة، والتي تتعدى كونها علاقات بين دول "مركز" ودول "أطراف" على المستوى الدولي، أو بين "النخبة" و"العامة" على المستوى القومي، إلى كونها علاقات بين "البرجوازية العالمية"، كما تمثلها الشركات المتعددة الجنسية من جهة، وبين البروليتاريا العالمية المستغلة من جهة أخرى.
وهذه البرجوازية العالمية التي تجمعها مصالحها الاقتصادية المشتركة لم تعد بحاجة إلى "القوة الإمبريالية" التي كانت تمارسها الدولة فيما سبق لكي تستطيع السيطرة على الأسواق العالمية، فهي تفعل ذلك من خلال استخدام أيديولوجية جديدة مؤداها أن ليس هناك ثمة تعارض بين مصالح تلك المؤسسات الاقتصادية من جهة وبين مصالح الدول الداخلية من جهة أخرى، وهو المنطق الذي تتبناه عملية العولمة الاقتصادية في واقع الأمر، أي أن أداة الهيمنة أداة ثقافية تقوم على تمرير العلاقات الاقتصادية باعتبارها تمثل مصلحة للدول النامية، والترويج لهذه المقولات بما يقوم بتحييد المعارضة للعولمة باعتبارها ضد نهضة الدول في الجنوب.
أما فيما يتعلق بالرؤية التاريخية لمفهوم الإمبراطورية، فبإمكاننا رصد نموذجين -على الأقل-للتعامل مع هذا المفهوم بصيغ مختلفة. ففي كتابه الشهير "صعود وسقوط القوى العظمى: التغيرات الاقتصادية والصراع العسكري من 1500 إلى 2000" الصادر عام 1987، قام المؤرخ الشهير بول كينيدي برصد أسباب صعود وسقوط إمبراطوريات متتالية والتي أسماها بالقوى الكبرى، ابتداء من الإمبراطورية الصينية في عهد أسرة منيغ، ومرورًا بالإمبراطورية العثمانية وإمبراطورية هابيسبرج، ثم الإمبراطورية البريطانية وصولاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية أو التي أشار كينيدي إلى أنها تمر بمرحلة من "الترهل الإمبراطوري" بسبب كون "إجمالي المصالح العالمية الأمريكية والالتزامات بعد اليوم أكبر كثيرًا من قدرة الدولة على الدفاع عنها جميعًا في وقت واحد".
وفي كتابه الصادر عام 1970 كان المؤرخ الفرنسي "أموري رينكور" Reincourt قد قارن بين ثنائية "الثقافة الأوروبية والحضارة الأمريكية" و"الثقافة اليونانية والحضارة الرومانية". ومؤدى هذه الثنائية هي أنه كما أن أفول الثقافة اليونانية مهّد الطريق لصعود الإمبراطورية الرومانية أو "الحضارة الرومانية" التي تغذت على الحصيلة الثقافية للثقافة الأولى، فإن النظام الدولي الحالي يشهد الدورة ذاتها، حيث إنه ومنذ العصر الفكتوري، والذي كان "مزيجًا متنافرًا من ثقافة مهلهلة ولا مبالاة بالثقافة الأصلية، وبذا فإنه كان منذرًا بأن تفوق أوروبا الثقافي قد أشرف على الغروب، بدأت عملية الانتقال من ثقافة مضمحلة إلى حضارة ناشئة كانت سمتها التوحيد والتنظيم، حضارة تتغذى على الحصيلة الثقافية للقرون الماضية دون أن يكون لها إبداع خلاق يذكر"، وبذا، يكون القرن العشرين قد شهد نشأة "عصر روماني جديد" ذاك الذي تمثله الحضارة الأمريكية.
والواقع أن رينكور يخلص في كتابه المعنون "القياصرة القادمون" إلى نتيجة مثيرة للاهتمام مؤداها أن "الديموقراطية الموسعة تؤدي عن غير قصد إلى قيام نظام إمبراطوري"؛ حيث إن "التوسع التدريجي للديموقراطية الجماهيرية ينتهي بتركيز السلطة العليا في يد فرد واحد"، وبذا يخلص الكاتب إلى أنه كما أن القيصرية القديمة قامت في روما لا اليونان، فإن قيصرية العصر الحالي ستقوم في أمريكا لا في أوروبا طالما أطلق العنان لنموها ولم يصدها عائق ما. وكما سبق أن أشرنا، فإن رينكور يصنف الفرق بين أوروبا وأمريكا على أساس من أن الأولى تمثل "الثقافة" التي "تسود المجتمعات الناشئة التي تتفتح للحياة وتمثل نظرة جديدة للعالم، فيما أن الأخيرة -أي أمريكا- ترمز إلى "الحضارة" والتي "تقوم على ذخيرة الأنماط المتراكمة التي اتبعتها الثقافة الأم" وهي كيان غير خلاق، ولكنه قادر على التنظيم الشامل، وهو عملي وأخلاقي في آنٍ، ينتشر في مساحات شاسعة من الدنيا ثم يتحول نهائيًّا إلى دولة عالمية تحت سلطان حاكم قيصر".
وتعد رؤية رينكور للتاريخ رؤية "دائرية" للتاريخ، حيث إنها تنطوي على رؤية يتم بموجبها صعود وهبوط للفواعل الدوليين، بل ويعيد فيها التاريخ ذاته على فترات متعاقبة كما هو الحال في الثنائية التي يطرحها رينكور لتعاقب القوى العظمى.
وتمثل الرؤى المختلفة التي تم التعرض إليها بهذا الصدد منظورات متعددة لمفهوم "الإمبراطورية"، وإن كان يتعين علينا القول بأن كلا منها ينبع من منظور/ نموذج علمي Paradigm مختلف، وبذا، فإنه ينطوي على تعريف مختلف لماهية الإمبراطورية، من حيث تعريفها، ومقوماتها، وعناصر صعودها وهبوطها.



العوامل المؤدية إلى صعود الإمبراطوريات، أو القوى الكبرى، كما أشار إليها المؤرخان بول كينيدي وأموراي رينكود، كما أبرزنا مدى توافر هذه المقومات في الحالة الأمريكية، خاصة مع اقتران العوامل المادية -التكنولوجية والاقتصادية والعسكرية-بأيدولوجية تهدف إلى الحفاظ على التقدم الأمريكي بكل السبل المتاحة، حتى إن أدى ذلك إلى خرق للقواعد الدولية المستقرة في النظام الدولي منذ الحرب العالمية الثانية.
والتساؤل الذي يثور الآن هو عن مدى كون تلك العوامل السالفة الذكر كافية بحد ذاتها لضمان استمرارية "شبه الإمبراطورية" الأمريكية، كما يسميها المؤرخ الأمريكي شارلز ماير، أم أن هناك عوامل أخرى غير متوافرة في الحالة الأمريكية، أو أنها كانت متواجدة، ولكنها أخذت في التناقص في ظل الإستراتيجية الأمريكية الحالية بعناصرها السبع التي عرضنا إليها فيما سبق؟
بعبارة أخرى، ما هي العوامل المؤدية إلى سقوط الإمبراطوريات والقوى الكبرى، وكيف تنعكس تلك العوامل على الوضع الحالي للولايات المتحدة الأمريكية؟
إذا نظرنا إلى عوامل سقوط الإمبراطوريات تاريخيًّا، كما قدمها كل من بول كيندي وشارلز ماير، فإننا سنجد أنها تمثل تحديات كبيرة لمستقبل الكيان "شبه الإمبراطوري" الأمريكي، على حد تعبير ماير، أو على كون أمريكا "قوة كبرى" بتعبير كينيدي، وتتمثل هذه العوامل فيما يلي:أولاً: معضلة "عسكرة الاقتصاد الأمريكي":
يشير المؤرخ بول كينيدي Kennedy في كتابه الشهير "صعود وسقوط القوى الكبرى" إلى أن أحد العوامل التي تؤدي إلى أفول نجم القوى الكبرى هو "عدم قدرة هذه القوى على الحفاظ على توازن معقول بين متطلبات الدولة دفاعيًا والوسائل المتوفرة لديها للحفاظ على هذه الالتزامات، وعدم قدرتها على الحفاظ على القواعد التقنية والاقتصادية التي تقوم عليها قوتها من التآكل في مواجهة أنماط الإنتاج العالمية المتغيرة دومًا".
وعلى الرغم من كون الاقتصاد العالمي الحالي متوائم بشكل كبير مع أنماط الإنتاج العالمية الجديدة والتي تتسم بكونها "ما بعد صناعية" بالأساس، فإن هناك العديد من التساؤلات التي تثور حول ما إذا كان اقتصاد الولايات المتحدة يستطيع أن يحقق معدلات نمو مرتفعة وهو الذي كان يمر بأزمة اقتصادية أدت إلى تراجع هذه المعدلات بسبب انهيار العديد من شركاته العملاقة في الآونة الأخيرة في ظل الميزانية العسكرية الضخمة التي قامت الإدارة الأمريكية برصدها للإنفاق العسكري، وصدق عليها الكونجرس، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وهنا يبرز العامل المتعلق بإمكانية الحفاظ على التوازن الدقيق بين "متطلبات الدولة الدفاعية" وبين القاعدة الإنتاجية/ الاقتصادية التي تقوم عليها هذه الالتزامات كما أشار كينيدي. ويشير إيفان إيلاد، مدير مركز الدراسات الدفاعية في مؤسسة كاتو الأمريكية، إلى هذه الحقيقة في تحليله المعنون "الإمبريالية الجديدة، وعيوبها المميتة"، حيث يتحدث عن كون الإنفاق العسكري الأمريكي يمثل 40% من إجمالي الإنفاق العسكري لدول العالم، وهو ما يمثل أكثر من ضعفي مجموع الإنفاق العسكري لكل منافسي الولايات المتحدة. وفي مقابل ذلك، فإن الدخل القومي الأمريكي يمثل 29% فقط من إجمالي الدخل القومي العالمي، ويعد هذا الفارق مؤشرًا على عدم التوازن بين الدخل الاقتصادي والإنفاق العسكري الأمريكي. كما يشير إيلاد إلى أن هذا المؤشر يدل أيضاً على مشكلة "الراكبون المجانيون" أو الـ Free Riders والتي تشير في هذا السياق إلى كون حلفاء الولايات المتحدة يعتمدون بشكل كبير على القدرة الدفاعية الأمريكية، وبذا فإنهم لا يحتاجون إلى توجيه أجزاء كبيرة من دخولهم إلى هذا البند، والمحصلة أنه على الرغم من كون الدخل القومي الأمريكي يربو على دخل الدول الثلاث التالية عليه في ترتيب الدخل القومي مجتمعة، إلا أن الإنفاق العسكري الأمريكي يربو على الخمس عشرة دولة التالية عليه في الترتيب، وأغلبهم من حلفاء الأمريكان.ثانيًا: معضلة الحدود Frontiers:
يشير المؤرخ الأمريكي شارلز ماير إلى أن أحد أهم العناصر التي تقوم عليها الإمبراطوريات هي صياغة حدود محددة لها يتم بموجبها تحديد معايير ضم أو استبعاد كيانات معينة من الإمبراطورية. وإلى جانب كون هذه الحدود تمثل إشكالية أساسية في كيفية تحديدها على المستويين الجغرافي والاجتماعي، وتحديد ماهية المناطق التي تقع داخل نطاق الإمبراطورية ومن ثم ماهية العوائد التي يتعين تقديمها لحلفاء الإمبراطورية، فإن التوزيع المتفاوت لهذه العوائد يخلق قدرًا كبيرًا من عدم المساواة على المستوى الدولي، ومن ثم فإنه يثير مشاعر من الحرمان النسبي لدى بعض الدول الكائنة خارج هذا النطاق، وقد يؤدي ذلك إلى ازدياد العداء للكيان الإمبراطوري الذي يعد مسئولاً عن هذا التفاوت، ومن ثم إمكانية مقاومته بأساليب غير تقليدية. ويؤدي هذا العنصر إلى إثارة إشكالية أخرى تتعلق بنطاق توسع الإمبراطورية. فتاريخ الإمبراطوريات يشير إلى أن التوسع الإمبراطوري عادة ما ينشأ بسبب حالة عدم الاستقرار التي تشهدها آخر منطقة تمت السيطرة عليها، وهو ما يؤدي إلى دخول الكيان الإمبراطوري في سلسلة متعاقبة من التوسعات تؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاكه وسقوطه.
وفي ظل الوضع الراهن على الساحة الدولية فإن كون عنصر التهديد الذي يمثل المحرك الأساسي للتوسع الإمبراطوري غير محدد المكان والأسلحة، كما هو الحال مع الإرهاب الدولي، فإن هذا يغري القوة الكبرى بالقيام بقدر أكبر من التوسع بحجة لزوم القضاء على مصدر الخطر بشكل جذري، وهو التخوف الذي يثيره ستانلي هوفمان في مقاله "إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي والانهيار الأمريكي" المنشورة في مجلة "بروسبكت" الأمريكية مؤخرًا.ثالثًا: إشكالية الحفاظ على الاستقرار الدولي:
يشير ماير إلى أن ثمة عنصرين رئيسيين يحكمان محافظة الإمبراطوريات على وجودها، وهما عنصرا "القوة والمكانة"، وإذا كان العنصر الأول يتمثل في القوة العسكرية فإن العنصر الثاني يتضمن أبعادًا أخرى للسيطرة وهي تلك المتمثلة في النفوذ الدبلوماسي والثقافي الذي تمارسه الإمبراطورية على الأطراف الأخرى في النظام الدولي، وكذا مدى قدرتها على الحفاظ على قدر من الاستقرار الدولي، أو ما يسميه ماير بـ "الخدمات العامة" التي تقدمها الإمبراطورية لرعاياها والمتمثلة في وضع حد للحروب الإثنية والدينية والقضاء على عوامل عدم الاستقرار الموجودة في أطرافها المترامية.
ولكننا إذا ما نظرنا إلى السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة، منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر على وجه الخصوص، فسنجد أنها تؤدي في الواقع إلى تكريس عدم الاستقرار الدولي وذلك على مستويين رئيسيين:
* المستوى الأول: يتعلق بتبنيها لسياسة الحرب الاستباقية، وهي بذلك تقوم بخلق قواعد دولية جديدة يمكن استخدامها من جانب فواعل دوليين آخرين بذات المنطق الذي استخدمته الإدارة الأمريكية، وهو ما حدث بالفعل في الحالة الإسرائيلية على سبيل المثال. ومن ناحية أخرى فإن مبدأ الضربات الاستباقية يزيد من حالة التحفز الدولي خشية إيقاع ذات السياسة على فواعل دوليين آخرين إذا ما ثبت خرقهم "للميثاق الإمبراطوري الجديد"؛ وهو ما يؤدي بدوره إلى محاولات تحقيق هؤلاء الأمن لأنفسهم من خلال الحصول على قدر أكبر من الحماية العسكرية، من خلال أسلحة الدمار الشامل على سبيل المثال.
* المستوى الثاني: يتعلق بالإشكاليات الأمنية التي يسببها التدخل الأمريكي في الشئون الداخلية للدول الأخرى، والتي كثيرًا ما تُحدث ردود أفعال بشكل غير متسق يقوم على عشوائية المقاومة، ومن ثم فإنه يتسبب في زيادة حدة العداء للولايات المتحدة، مع الوضع في الاعتبار الأشكال غير المألوفة أو المتوقعة التي اتخذتها هذه المقاومة والتي تجلت بشكل كبير في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فعلى العكس من حركات المقاومة التي واجهتها الإمبراطوريات الغابرة والتي لم تسفر في مجملها عن وقوع عدد كبير من الضحايا في صفوفها، فإن الأشكال الحالية للمقاومة تنذر بكونها شديدة الوطأة وفادحة الخسائر خاصة فيما يتعلق بحجم الخسائر التي قد تسببها في الصفوف الأمريكية، المدنية والعسكرية على حد سواء.رابعًا: إشكالية الاستعداد النفسي:
يثير ماكس بوت Boot المحلل السياسي الأمريكي في مقالته "نحو إمبراطورية أمريكية" المنشورة في مجلة Weekly Standard المحافظة إلى أن الجندي الأمريكي لم يعد على استعداد للتضحية بنفسه في سبيل الدفاع عن الإمبراطورية الأمريكية بنفس درجة نظرائه البريطانيين مثلاً في القرن التاسع عشر، وأنه لن يكون له قبل بالأعباء الإمبراطورية الأمريكية. وهنا تثور مشكلة تعبئة الشعب الأمريكي، لا سيما الجنود الأمريكيين الذين تعودوا على نمط التدخل الرخيص Intervening on the cheap وعلى الحروب التي تتم إدارتها "عن بعد" بأقل خسائر في الصفوف الأمريكية.
ومن جهة أخرى، فإن الاستعداد النفسي لا يقتصر على الخسائر المادية التي قد تحيق بالكيان الإمبراطوري أثناء قيامه بمهامه، ولكنها أيضًا تتعلق بتحمل التكاليف التي ستستتبعها إعادة الترتيب للنظام الدولي بشكل يتماشى مع تحقيق المصالح الإمبراطورية، وهو أمر مشكوك به فيما يتعلق باستعداد الشعب الأمريكي لتحمل مثل هذه التكاليف؛ "فالشعوب الديموقراطية لا تتمتع بالصبر" كما يشير مايكل إجناتييف Ignatieff، الأستاذ بجامعة هارفارد.
وعلى العكس من ذلك تهدف القوة الإمبراطورية الأمريكية للقيام بالأعمال العسكرية المتعلقة بـ "إعادة النظام"، ومن ثم الانسحاب وإلقاء عبء إعادة البناء على ما يسميه إجناتييف بـ"الأوربيون الإنسانيون" European Humanitarians. فهي إمبراطورية تتسم بكونها "إمبراطورية متعجلة"، أو Imperialism in a hurry، وإن كانت تتشابه مع نظيرتها الأوربية في بقاء السلطة الحقيقية على المناطق التي تقوم بالتوسع بها -من كوسوفو والبوسنة، إلى أفغانستان والعراق- في المركز في واشنطن.



سعينا خلال العرض السابق إلى التعرض إلى مفهوم الإمبراطورية كما ورد في نظريات العلاقات الدولية، ومدى انطباقه على المشهد الدولي الراهن في ظل مقومات صعود وسقوط الإمبراطوريات التي جاءت بها النظريات التاريخية الراصدة لحركة التغير في نمط النظام الدولي والقوى الكبرى على مر العصور وحتى الواقع الراهن.
إلا أننا نود في النهاية أن نعرض بشكل مختصر إلى الرؤية الجديدة لهذا المفهوم التي قدمها عالم السياسة الإيطالي أنتوني نجري Negri وأستاذ الأدب الأمريكي مايكل هاردت Hardt في كتابهما المعنون "إمبراطورية" والصادر عام 2000.
ويتسم مفهوم الإمبراطورية في الحالة الراهنة للنظام الدولي في رأيهما بأربع خصائص رئيسية هي:
1- أن الإمبراطورية كيان بلا حدود، يقوم على نظام يضم كافة أنحاء أرجاء العالمEntire Spatial Totality، بعبارة أخرى فإنه ينطوي على جميع رقعة العالم الجغرافية ولا تحده حدود من أي نوع.
2- هذا المفهوم لـ "الإمبراطورية" لا يقدم نفسه باعتباره إعادة إحياء لمفهوم الإمبراطورية التاريخي، ولكن على أساس من كونه نظامًا أو Order صالحًا لكل مراحل التطور التاريخي. من هذا المنطلق، فإن الإمبراطورية بهذا المفهوم لا تمثل مرحلة انتقالية في تاريخ البشرية، ولكنها تمثل نظامًا لاتاريخيًّا، أي لا تحده قيود زمنية أو تاريخية أو قياسية من أي نوع.
3- "الإمبراطورية" الجديدة تؤسس حكمًا يقوم بإدارة كافة مناحي النظام الاجتماعي الإنساني، حيث لا تقتصر مهام الإمبراطورية على إدارة المناطق واقتصاديات الشعوب المختلفة فحسب، ولكنها تسعى إلى "خلق" العالم الذي تحكمه من خلال تنظيمها للتفاعلات الإنسانية التي تحدث بين أعضاء الجماعة الإنسانية المكونة لها.
4- على الرغم من كون ممارسات الإمبراطورية "مضرجة بالدماء" فإن مفهوم الإمبراطورية هو مفهوم سلامي أولاً وأخيراً، هدفه الهيمنة وليس الصدام (وإن كانت الهيمنة منطقياً تستدعي المقاومة والصدام)، ويتمثل الهدف الحقيقي للإمبراطورية في خلق حالة من السلام العالمي والدائم وكأنه لا تاريخي، أي وكأنه كائن خارج نطاق الزمن والتاريخ بالأساس.
ومن هذا المنطلق فإنه لا الولايات المتحدة، ولا أي دولة أخرى، يمكنها أن تمثل في رأيهما مركزًا للمشروع الإمبراطوري بهذا المفهوم؛ فالإمبراطورية كما يعرفها نيجري وهاردت تختلف بشكل أساسي عن المشروع الإمبريالي الاستعماري من حيث إنها لا تستند على حدود مرسومة ومحددة، ولا تتمحور حول مركز معين. بل هي عملية لا مركزية تقوم على عملية إعادة تعريف مستمرة لحدودها، وعلى احتواء وإدارة للهويات المتعددة التي تكمن تحت مظلتها دونما قمع أو طمس لإحداها؛ وذلك من خلال القوة القائمة على إقامة شبكات تحكم Networks of Command حول العالم أجمع، والمتمثلة إلى حد كبير في عملية العولمة. وبذا، فإن عملية التحول إلى "الإمبراطورية" التي تمر بها الإنسانية الآن تنطوي على احتمالات جديدة لإطلاق العنان للقوى التحررية من خلال عمليات العولمة البديلة ومناهضة الهيمنة المتضمنة والكامنة في هذه المرحلة الانتقالية.
ومن ثم، فإن واجبنا السياسي كمجتمع إنساني يتمثل في سعينا لإعادة تنظيم العولمة وإعادة توجيهها بما يكفل تحقيق النظام العالمي الذي يصبو إليه الـعامة والغالبية؛ فالقوى الخلاقة للناس تستطيع إنشاء "إمبراطورية موازنة/مقابلة" أو Counter - Empire والتي يمكن من خلالها خلق شبكات منظمة سياسية بديلة للتحكم في التدفقات والتبادلات الدولية. إنه يتعين على جماهير الشعوب والتجمعات الأهلية والمدنية أن تبتكر أشكالاً ديموقراطية جديدة تستطيع أن تنقل البشرية إلى "ما بعد الإمبراطورية" في يوم ما.
وفي حوار مع نيجري -أحد مؤلفي كتاب "إمبراطورية"- بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تحدث عن الأحداث باعتبارها أدت إلى حالة أرجحة وتهدئة إيقاع حركة "السيادة الإمبراطورية" التي كانت آخذة في الانتشار في أنحاء النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة (والمقصود بحركة السيادة الإمبراطورية أو Imperial Sovereignty التوسع الذي شهدته التبادلات الرأسمالية الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة).
وعلى الرغم من كون هذه الهجمات كانت قد جاءت من خارج نطاق حركة "السيادة الإمبراطورية" هذه، أن كلا الطرفين، بوش وبن لادن يعدان عدوين للغالبية The Multitude في هذا السياق، فالإرهاب الدولي يمثل الوجه الآخر لعملة "الإمبراطورية" والعامة تعمل على تخطي هذين المفهومين لإقامة كيان جديد أو منظومة جديدة من خلال إنشاء "إمبراطورية موازية" لتنظيم تدفقات الثروة والقوة والثقافة بشكل مختلف وأكثر ديموقراطية.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


التوقيع

 

   

رد مع اقتباس
قديم 07-29-2008, 11:21 AM   رقم المشاركة : 2 (permalink)
معلومات العضو

:: مشرف السياسه والتاريخ ::

 
الصورة الرمزية عبد الرحمن السبكى
 

 

إحصائية العضو









عبد الرحمن السبكى غير متواجد حالياً

 
آخـر مواضيعي

المستوى: 42 [♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥]
الحياة 1066 / 1333

النشاط 936 / 3071
المؤشر 1%

 

 

افتراضي رد: الامبراطورية الامريكية


AddThis Social Bookmark Button

شكرا




 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


التوقيع





" لا تشكى الناس جرحا انت صاحبه , فلا يؤلم الجرح الا صاحبه "

 

   

رد مع اقتباس
قديم 07-30-2008, 01:35 AM   رقم المشاركة : 3 (permalink)
معلومات العضو

:: مشرفه القصص والروايات ::

 
الصورة الرمزية vinose
 

 

إحصائية العضو









vinose غير متواجد حالياً

 
آخـر مواضيعي

المستوى: 30 [♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥]
الحياة 296 / 741

النشاط 415 / 1828
المؤشر 65%

 

 

افتراضي رد: الامبراطورية الامريكية


AddThis Social Bookmark Button

مشكور علي مرورك تحياتى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


التوقيع

 

   

رد مع اقتباس
رد



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة
الانتقال السريع إلى

 

روابط مفيدة : استرجاع كلمة المرور | طلب كود تفعيل العضوية | تفعيل العضوية

الساعة الآن: 11:26 PM


Powered by vBulletin

جميع الحقوق محفوظه لمنتدى بناء الأمه



Security by i.s.s.w

منتدى بناء الأمه | منتدى بناء الأمه | خريطة المنتديات |
منتدى الترحيب والتعارف | البرامج العام | البرامج المشروحه | منتدى تطوير المواقع والمنتديات | المناقشات وابداء الرأى | الألغاز والكاريكاتير والصور النادره | القصص والروايات | القران والتفسير | الحديث الشريف والسيره | الـصوتيـات والمـرئيات الإسلامية | حكم و خواطر اسلاميه وتواقيع اسلامية | الطب | هندسه ورياضيات | سياسه وتاريخ | الأدب والشعر | اللغات الأجنبيه | افتحي قلبك حواء | الديكور والاثاث المنزلى | الأزياء والأناقة للمحجبات | مطبخ حواء | الأسره والطفل | أرشيف الأفلام الوثائقيه والأسلامي | أفلام الكارتون | أفلام علميه | برامج الموبايل | ألعاب الموبايل | صور ونغمات الموبايل | ألعاب pc | ألعاب ps2 ,ps1 ,xbox | ألعاب Nintendo | الأخبار والمقالات الرياضية | المالتيميديا الرياضي |