اللغز المحير :
لابد أن يستوقفنا ونحن نتكلم عن عملية التخليق سؤال هام ، وهو : كيف يمكن للخلايا المضغية Embryoblast المتماثلة تماماً في بنائها أن تعطي هذه الوريقات الثلاثة (الداخلية والخارجية والمتوسطة) المختلفة عن بعضها البعض ؟ ، ثم كيف يمكن للخلايا المتماثلة في كل وريقة على حدة أن تعطي الأجهزة المختلفة في بنائها ووظائفها وخصائصها ؟.. فالوريقة الخارجية مثلاً يتشكل منها : الدماغ ، والأعصاب ، وبشرة الجلد ولواحقه من الغدة والأشعار والأغشية المخاطية بالفم والأنف . والوريقة المتوسطة يتشكل منها القلب والأوعية الدموية ، والدم والعظام والعضلات ، والكليتين ، وأدمة الجلد ، وقسم من الغدد الصماء . أما الوريقة الداخلية ، فيتشكل منها : مخاطية الجهاز التنفسي ، والطريق الهضمية ، والغدة الدرقية ، والغدة جار الدرقية ، والكبد والبنكرياس .. وهكذا ، كيف تم ذلك ؟ ومن الذي دفع هذه الخلايا المتماثلة الضعيفة لتغطي كل هذا من مراكز التفكير والشعور والإبداع ؟ .
وكل هذا من مصانع الدم والسكاكر والبروتين ؟ وكل هذا من أجهزة التكييف والراحة ومن وسائل الوقاية والحماية والأمن في الجسم ؟ إنه اللغز الذي حير وما زال يحير كل علماء الدنيا حتى يعلموا أن المبدع والموجه في هذه الحياة ، هو الله .. ويوم يصلون إلى حل اللغز فسيوقنون أكثر أنه (هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) الحشر : 24 .
ويتمالكنا العجب ونحن نرى أن القرآن قد أشار لهذا اللغز ، في آيات تعد منارات هداية على طريق العلم ، وبواعث تدفع للبحث والتحليل باستمرار ، قال تعالى في سورة الحج (ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة) ، ثم يؤكد على هذه الناحية حيث يقول في سورة المؤمنون (فخلقنا المضغة عظاماً ، فكسونا العظام لحما ).
ذكر القرآن هذه المراحل قبل أكثر من 14 قرناً، وجاء العلم الحديث والطب الحديث في النصف الثاني من القرن العشرين، باستعمال المناظير الداخلية (الأبروسكوب) واستعمال أجهزة (السونار) الصوتية، واكتشف العلماء وعلماء الأجنة أن هذه المراحل المذكورة في القرآن صحيحة 100%.
حتى أن المؤتمر الخامس للإعجاز العلمي في القرآن والسنة الذي عقد في (موسكو) في عام 95 أقر هذه المراحل كأحسن تصنيف لعلم الأجنة في الطب، وقام الدكتور الأستاذ البروفيسور كيث مور عالم الأجنة الشهير في جامعة (تورنتو) في كندا، وألف كتاباً اسمه.. (علم الأجنة السريري) وفي طبعته الثالثة أدخل هذه المراحل المذكورة في القرآن في كتابه، كل فصل بما يناسبه من هذه المراحل اعترافاً منه بأن هذه المراحل صحيحة وواضحة وصريحة.
ـ ثم أنشأناه خلقاً آخر (طور الجنين)
يصل محصول الحمل نحو الزيادة في الوزن بعد الشهر الثالث ، وتسعى الأجهزة التي تشكلت نحو التكامل ، وحتى أن بعض الأجهزة تبدأ أثناء عملها الحياة الجنينية ، كالقلب وجهاز الهضم ، ويقوم نقي العظم بتكوين عناصر الدم ...
وبشكل عام فإن أهم ما يطرأ على الجنين بعد الشهر الثالث هو: الحركة ، ونبضات القلب ، واستقلاب إفراز المشيمة الغددي ، والنمو المتسارع في حجم الجنين ، وتكامل شكله الخارجي .
أما الحركة فتبدأ في آخر الشهر الثالث وابتداء الرابع حيث تتم عملية اتصال الجهاز العصبي بالأجهزة ، والعضلات ، وتشعر الحامل بحركات جنينها الفاعلة في الشهر الرابع ، أو قبل ذلك في المولودات . أما نبضات القلب فتبدأ بعد بداية الشهر الرابع ، ويمكن سماعها أيضاً ، وتكون واضحة في الشهر الخامس وتذكر الدكتورة فلك الجعفري : (أن أحد الأساتذة المصريين أراد تسجيل أول دقة للقلب وعندما ابتدأ مشعر المسجل بالحركة ، قال : هنا الله ، أي هنا قدرة الله) .
وبالنسبة لاستقلاب المشيمة الغددي ، فهو مباشرتها بإفراز الهرمونات اللازمة لاستمرار الحمل بعد أن أصبحت الكميات التي يفرزها المبيض غير كافية ، ولأن متطلبات الحمل من هذه الهرمونات تصبح أكبر بكثير من كفاءة المبيض .
أما نمو الجنين فيكون سريعاً في هذه المرحلة ، فبعد أم كان وزنه في نهاية الشهر الثالث (55) غ ، وطوله (10) سم ، يصبح وزنه عند تمام الحمل حوالي (3250 ) غ ، وطوله (50) سم ، وخلال هذه الفترة يتكامل شكله الخارجي ،فيصبح لون الجلد أحمر ، وتنبسط تجعداته ، وتسقط عنه الأوبار ، وتنفتح الجفون وتتكامل الأظافر ....
بهذا الاستعراض السريع لأهم ميزات هذه المرحلة نجد أن تلك المضغة قد أخذت بعداً آخر ، اكتسبت فيه قدرة على الحركة ، وابتدأ بها القلب بالنبضان بلا توقف ، ولهذا البعد أشار القرآن بعد عرضه لسلسلة أطوار تخلق البعد الجنين ، حيث قال : (ثم أنشأناه خلقاً آخر)
ولعل أكثر الناس شعوراً بهذا البعد ليس الطبيب وإنما الأم تحس أن روحاً أخرى تدب في أعماقها ، فتظهر علامات الارتياح على ملامحها ، وتعلو البسمة محياها ، وإذا ما غابت عنها تلك الحركة مدة بسيطة قلقت وتأرقت .
وأبعد من هذا فقد وجد العلماء أن الجنين يبدأ في آخر الحمل بالسماع ، و مما يسترعي سمعه وهو في بطن أمه ، ذلك الصوت الحنون الخالد الذي لا يعرف إلا الحب والحنان والعطاء ... إنه صوت خفقان القلب الكبير... قلب أمه وهكذا تنشأ صلات الحب والمسؤلية بين الأم ووليدها في الوقت الذي تعاني فيه الأم من الوهن والعذاب ما لا يحتمله غيرها ، ولذلك قال تعالى في سورة لقمان : (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير) لقمان : 14 .
وبعد أن وقفنا على أطوار خلقنا البديع المدهش ، هل لنا أن نقدر الله حق قدره ؟ هل لنا أن نرجو لله وقاراً؟ .... (مالكم لا ترجون لله وقاراً . وقد خلقكم أطواراً) نوح